رجّح أحمد أبو دوح، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «تشاتام هاوس»، أن تنضم مصر في نهاية المطاف إلى السعودية وتركيا وباكستان في اتفاقية الدفاع المشترك المعروفة باسم «ميثاق مكة»، لكنه رأى أن القاهرة تواصل في الوقت الراهن نهجًا حذرًا يهدف إلى تجنب الاصطفاف مع أي طرف في التوازنات الجيوسياسية المتغيرة بالمنطقة.

 

وقال أحمد دوح في مقال رأي نشره موقع تشاتام هآوس تناول فيه اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس، والتي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد أعضائها هجومًا على جميع الأعضاء، وترسل رسائل إلى كل من إيران وإسرائيل، في الوقت الذي تسعى فيه الدول الأعضاء إلى تنويع منظومة الأمن الإقليمي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.


ميثاق مكة ليس «ناتو» شرق أوسطيًا


بُني ميثاق مكة على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر الماضي، لكنه يمثل اتفاقًا منفصلًا يضم تركيا ويترك الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى.


وقارن البعض الميثاق بحلف شمال الأطلسي «الناتو»، حتى إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف عنصر الدفاع المشترك فيه بأنه «مماثل من الناحية الفنية» لبند الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة من ميثاق الناتو.


لكن أبو دوح يرى أن المقارنة بين الاتفاقيتين مبالغ فيها، موضحًا أن الميثاق يبدو محدود النطاق نسبيًا عند النظر إليه بعيدًا عن هذه المقارنات.


وقلّل مسؤولون سعوديون من نطاق الاتفاق، وقدموا الميثاق باعتباره إطارًا لبناء «قدرات مستدامة» وليس جبهة دفاع مشتركة موجهة ضد دولة بعينها. كما أكدت تركيا أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى، فيما وصفت باكستان الاتفاق بأنه «دفاعي بحت».


ورغم امتلاك باكستان أسلحة نووية، لا ينص الاتفاق على إخضاع تركيا والسعودية للمظلة النووية الباكستانية. وبينما تضمن اتفاق الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025 بنودًا للدفاع المشترك، واصلت باكستان التواصل مع طهران بوصفها وسيطًا في خضم الهجمات الإيرانية على السعودية.


ويرى أبو دوح أن أفضل طريقة لفهم ميثاق مكة هي اعتباره تجربة للاعتماد الإقليمي على الذات، وليس جبهة دفاع مشتركة أو تحالفًا لخوض الحروب.


لماذا لم تنضم مصر إلى ميثاق مكة؟


لم توقع مصر على ميثاق مكة رغم تعاونها الوثيق مع الدول الثلاث ضمن تجمع رباعي غير رسمي يُشار إليه باسم «STEP» أو «الرباعي».


وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، يوم الجمعة، إن القاهرة تدرس الميثاق «بجدية شديدة»، مشيرًا إلى أن اتخاذ قرار الانضمام «يتطلب دراسات معمقة في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية» للبلاد.


وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أعرب في وقت سابق عن اعتقاده بأن مصر ستنضم إلى الميثاق «في المرحلة المقبلة» بعد معالجة «بعض المسائل الفنية».


ويربط أبو دوح عدم انضمام مصر حتى الآن بنهجها الاستراتيجي الحذر منذ تولي رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الرئاسة، إذ تنظر القاهرة إلى نفسها باعتبارها وسيطًا إقليميًا، وهو دور يتطلب الحفاظ على علاقات إيجابية وقنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.


واتبع القادة المصريون لعقود نهجًا حذرًا يقوم على عدم الانحياز وتجنب التكتلات العسكرية، بهدف تفادي الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصالح المصرية. وقد يُفهم انضمام القاهرة إلى ميثاق مكة باعتباره اختيارًا لأحد أطراف المعادلة الإقليمية في مواجهة خصوم الدول الثلاث، ومن بينهم إيران والحوثيون وإسرائيل والإمارات واليونان وقبرص والهند.


وقد يؤدي هذا الاصطفاف المحتمل إلى الإضرار بعلاقات مصر مع بعض هذه الأطراف دون تحقيق مكاسب كبيرة للقاهرة.


ويعكس ذلك، وفق التحليل، طبيعة الميثاق باعتباره أداة لإرسال رسائل سياسية أكثر من كونه ترتيبات ذات قيمة عسكرية مباشرة. ورغم شح التفاصيل المعلنة بشأن الاتفاق، فإنه قد يشمل التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوسيع نطاق الأمن البحري، والتعاون في الصناعات الدفاعية.


لكن القاهرة تتعاون بالفعل مع الدول الثلاث في العديد من هذه المجالات عبر التجمع الرباعي، إلى جانب مشاركتها في التحالف البحري الذي تقوده السعودية في البحر الأحمر.


وتسعى مصر في عهد السيسي إلى ترسيخ دور الوسيط، وهو ما يتطلب الحفاظ على علاقات إيجابية وقنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، فضلًا عن تجنب التورط في تحالفات عسكرية قد تعرقل هذا الدور أو تزيد التوترات الإقليمية.


إسرائيل والولايات المتحدة تحددان حسابات القاهرة


قد تتشارك مصر مع أعضاء ميثاق مكة المخاوف الأمنية المرتبطة بالجماعات غير النظامية والأمن البحري والأوضاع في السودان، لكن العديد من صناع القرار المصريين يرون أن احتمال اندلاع صراع مع إسرائيل سيظل أكبر تهديد أمني مستقبلي للقاهرة، رغم معاهدة السلام والتنسيق الأمني بين البلدين.


ونظرًا إلى مكانة إسرائيل باعتبارها الحليف الإقليمي الأهم للولايات المتحدة، لا يرى التحليل تحالفًا أمنيًا آخر قادرًا على توفير الحماية الكافية لمصر في حال اندلاع مواجهة محتملة مع إسرائيل.


وبالتالي، قد يساعد انضمام القاهرة إلى ميثاق مكة في التعامل مع المخاوف المصرية العاجلة في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، لكنه لن يعالج أولوياتها الأمنية طويلة الأمد. ولهذا تظل الولايات المتحدة في الوقت الراهن أهم شريك أمني لمصر.


وتخشى القاهرة كذلك على سيادتها، إذ إن اندماجها في ترتيبات أمنية تقودها السعودية قد يعزز مساعي الرياض لترسيخ قيادتها للعالم العربي، وهو ما قد يخلق، من وجهة النظر المصرية، علاقة أقرب إلى نموذج «الراعي والعميل» بين البلدين.


لماذا قد تنضم مصر إلى الميثاق مستقبلًا؟


يرى أبو دوح أن مخاطر انضمام مصر إلى الميثاق تتجاوز على الأرجح مكاسبه في الوقت الراهن، لكنه يشير إلى إمكانية تغير هذا التقييم مع مرور الوقت.


ويعتبر ميثاق مكة أقل شبهًا بتحالف عسكري وأكثر ارتباطًا بإعلان نوايا بشأن شكل النظام الإقليمي المقبل. وبينما تظل واشنطن الشريك الأهم لمعظم القوى الإقليمية، بما فيها تركيا والسعودية، فإن هذه الدول تسعى إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وهو اتجاه مرشح للتسارع.


كما يتيح الميثاق لأعضائه التحوط في مواجهة الطموحات الإقليمية لكل من إيران وإسرائيل، واختبار توازن جديد للقوى يستند إلى دول متوسطة القوة. ومن مصلحة مصر أن تبادر بالمشاركة في مثل هذه الترتيبات.


لكن الانتظار لا يحمل ضررًا في الوقت الراهن.


وقد تزداد دوافع مصر للانضمام إذا لم تُطبق عمليًا الالتزامات الملزمة بالدفاع المشترك التي يتضمنها الاتفاق. ومن شأن هذه المرونة أن تتيح للقاهرة الانضمام دون التخلي عن قدرتها على أداء دور الوسيط أو تعميق التنسيق مع خصوم أطراف الميثاق، وإن كان ذلك قد يثير في المقابل تساؤلات حول مصداقية التحالف.


وتكتسب هذه المساحة للمناورة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تحتاج إلى تنويع شراكاتها وبناء علاقات متعددة عبر خطوط الانقسام الإقليمي، في ظل أزمتها الاقتصادية المزمنة وتراجع مكانتها في العالم العربي.


وفي الوقت نفسه، قد يعزز الانضمام قدرة القاهرة على فرض نفوذها من خلال احتلال موقع مركزي في ترتيبات الأمن الإقليمي.


القاهرة مطالبة بالانتظار والمراقبة وإبقاء الخيارات مفتوحة


يخلص التحليل إلى أن على مصر التحلي بالصبر دون التردد، إذ يبدو الميثاق جذابًا من حيث المبدأ، لكنه لا يمثل أولوية ملحة للقاهرة في الوقت الراهن.


ويعد الاتفاق الجديد أقل تطورًا من حلف الناتو، لكنه أكثر جدية من التحالفات الإقليمية السابقة. وقد يتحول الميثاق في نهاية المطاف إلى شراكة أكثر تركيزًا تقوم على ملفات محددة بدلًا من التحول إلى تكتل ملزم، وهو السيناريو الأفضل بالنسبة إلى مصر.


ويكمن الاختبار الحقيقي لأي تحالف في كيفية تطبيق التزاماته، خصوصًا خلال أوقات الحرب. ومع استمرار الغموض بشأن نهاية الحرب مع إيران وتصاعد التوترات بصورة دورية في البحر الأحمر، ينبغي لمصر مراقبة رد فعل التحالف عندما يتعرض أحد أعضائه للتهديد.


وفي الوقت الراهن، يرى أبو دوح أن على القاهرة أن تمنح نفسها الوقت الكافي لمراقبة هيكل الميثاق والتزاماته العسكرية ومستوى التكامل العملياتي بين أعضائه، وألا تحسم موقفها من العضوية قبل اتضاح هذه الجوانب بصورة أكبر.